أحمد بن محمد المقري التلمساني
124
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وإذا أردت العزّ لا * ترزأ بني الدنيا قلامه واللّه ما احتقب الحري * ص سوى الذنوب أو الملامه هل ثمّ شكّ في المعا * د الحقّ أو يوم القيامة « 1 » قولوا لنا ما عندكم * أهل الخطابة والإمامة « وإن رميت بأحجاري ، وأوجرت « 2 » المرّ من أشجاري ، فو اللّه ما تلبست اليوم منها بشيء قديم ولا حديث ، ولا استأثرت بطيّب فضلا عن خبيث ، وما أنا إلّا عابر سبيل ، وهاجر مرعى وبيل ، ومرتقب وعدا قدر فيه الإنجاز ، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز ، قد فررت من الدنيا كما يفرّ من الأسد ، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد ، وغسل اللّه قلبي ، وللّه الحمد ، من الطمع والحسد ، فلم أبق عادة إلّا قطعتها ، ولا جنّة « 3 » للصبر إلّا ادّرعتها ، أما اللباس فالصوف ، وأما الزهد فيما بأيدي الخلق فمعروف ، وأمّا المال الغبيط فعلى الصدقة مصروف ، وو اللّه لو علمت أنّ حالي هذه تتصل ، وأن عراها « 4 » لا تنفصل ، وأن ترتيبي هذا يدوم ، ولا يحيرني الوعد المحتوم ، والوقت المعلوم ، لمتّ أسفا ، وحسبي اللّه وكفى . ومع هذا يا سيدي فالموعظة تتلقّى من لسان الوجود ، والحكمة ضالة المؤمن يطلبها ببذل المجهود ، ويأخذها من غير اعتبار بمحلّها المذموم ولا المحمود . ولقد أعملت نظري فيما يكافىء عني بعض يدك ، أو ينتهي في الفضل إلى أمدك ، فلم أر لك الدنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا ، وألفيت بذل النفس قليلا لك من غير شرط ولا ثنيا « 5 » ، فلمّا ألهمني اللّه لمخاطبتك بهذه النصيحة المفرغة في قالب الجفا ، لمن يثبت عين الصفا « 6 » ، ولا يشيم « 7 » بارقه الوفا ، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنّسين بها المنهمكين ، وينظروا عوّارها القارح « 8 » بعين اليقين ، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور ، وعاشقها مغرور ، وسرورها شرور ، تبين لي أنني قد كافأت « 9 » صنيعتك المتقدمة ، وخرجت عن عهدتك الملتزمة ، وأمحضت « 10 » لك النصح الذي يعزّ بعز اللّه ذاتك ، ويطيب حياتك ، ويحيي مواتك ، ويريح جوارحك من الوصب ،
--> ( 1 ) ثمّ - بفتح الثاء - بمعنى هناك . ( 2 ) أوجر : صب الدواء في الفم . ( 3 ) الجنة : الدرع . ( 4 ) في ب « وعراها لا تنفصل » . ( 5 ) الثنيا - بضم التاء وسكون النون - الاستثناء . ( 6 ) في ب « الجفاء . . . الصفاء . . . الوفاء » . ( 7 ) يشيم : ينظر . والبارقة : السحابة ذات البرق . ( 8 ) في ب « وينظر عوارها القادح بعين اليقين » . ( 9 ) في ب « كافيت » . ( 10 ) أمحضت : أخلصت .